حديث أبو سفيان و هرقل

6- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِى قَالَ: أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِى رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِى الْمُدَّةِ الَّتِى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِى مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِى يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِى؟

فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا .

فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّى، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ.

ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّى سَائِلٌ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِى فَكَذِّبُوهُ. فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَى كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ. ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِى عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟

قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ.

قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟

قُلْتُ: لَا.

قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟

قُلْتُ: لَا.

(1/32) قالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟

فَقُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ.

قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟

قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ.

قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟

قُلْتُ: لَا.

قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟

قُلْتُ: لَا.

قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟

قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِى مُدَّةٍ لَا نَدْرِى مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا.

قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّى كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ.

قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟

قُلْتُ: نَعَمْ.

قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟

قُلْتُ: الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ.

قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟

قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ. وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ.

فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِى نَسَبِ قَوْمِهَا. وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ، لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِى بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، قُلْتُ: فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ. وَسَأَلْتُكَ: أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ. وَسَأَلْتُكَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ: أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ. وَسَأَلْتُكَ: بِمَا يَأْمُرُكُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَى هَاتَيْنِ. وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّى أَعْلَمُ أَنِّى أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ. ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -الَّذِى بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ، فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى. أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّى أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ. فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ (وَ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (1/33) قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ، كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ، وَارْتَفَعَتْ الْأَصْوَاتُ، وَأُخْرِجْنَا. فَقُلْتُ لِأَصْحَابِى حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِى كَبْشَةَ، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِى الْأَصْفَرِ. فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَى الْإِسْلَامَ. وَكَانَ ابْنُ النَّاظُورِ -صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ - سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ، يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ، أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدْ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ. قَالَ ابْنُ النَّاطورِ: وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِى النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّى رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِى النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا الْيَهُودُ، فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَائنِ مُلْكِكَ فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنْ الْيَهُودِ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ، أُتِى هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ، يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا؟ فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنْ الْعَرَبِ فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ. فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ. ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِى الْعِلْمِ. وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْى هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -وَأَنَّهُ نَبِى. فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِى دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّ ومِ، هَلْ لَكُمْ فِى الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ، وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِى؟ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَأَيِسَ مِنْ الْإِيمَانِ قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَى. وَقَالَ: إِنِّى قُلْتُ مَقَالَتِى آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ. فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ. رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَيُونُسُ وَمَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِى

صحيح البخارى

شرح الحديث من فتح البارى

قوله: (قال حدثنا أبو اليمان) فى رواية الأصيلى وكريمة: حدثنا الحكم بن نافع، وهو هو، أخبرنا شعيب: هو ابن أبى حمزة دينار الحمصى، وهو من أثبات أصحاب الزهرى.

قوله: (أن أبا سفيان) هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.

قوله: (هرقل) هو ملك الروم، وهرقل: اسمه، وهو بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف، ولقبه قيصر، كما يلقب ملك الفرس: كسرى ونحوه.

قوله: (فى ركب) جمع راكب كصحب وصاحب، وهم: أولو الإبل، العشرة فما فوقها. والمعنى: أرسل إلى أبى سفيان حال كونه فى جملة الركب، وذاك لأنه كان كبيرهم فلهذا خصه، وكان عدد الركب ثلاثين رجلا، رواه الحاكم فى الإكليل. ولابن السكن: نحو من عشرين، وسمى منهم المغيرة بن شعبة فى مصنف ابن أبى شيبة بسند مرسل، وفيه نظر، لأنه كان إذ ذاك مسلما. ويحتمل أن يكون رجع حينئذ إلى قيصر ثم قدم المدينة مسلما. وقد وقع ذكره أيضا فى أثر آخر فى كتاب السير لأبى إسحاق الفزارى، وكتاب الأموال لأبى عبيد من طريق سعيد بن المسيب قال: كتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم -إلى كسرى وقيصر.. الحديث وفيه: فلما قرأ قيصر الكتاب قال: هذا كتاب لم أسمع بمثله. ودعا أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة وكانا تاجرين هناك، فسأل عن أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

قوله: (وكانوا تجارا) بضم التاء وتشديد الجيم، أو كسرها والتخفيف، جمع تاجر. (1/ 34) قوله: (فى المدة) يعنى مدة الصلح بالحديبية، وسيأتى شرحها فى المغازى، وكانت فى سنة ست، وكانت مدتها عشر سنين كما فى السيرة، وأخرجه أبو داود من حديث ابن عمر، ولأبى نعيم فى مسند عبد الله ابن دينار: كانت أربع سنين، وكذا أخرجه الحاكم فى البيوع من المستدرك، والأول أشهر. لكنهم نقضوا، فغزاهم سنة ثمان وفتح مكة. وكفار قريش بالنصب مفعول معه.

قوله: (فأتوه) تقديره: أرسل إليهم فى طلب إتيان الركب، فجاء الرسول يطلب إتيانهم فأتوه، كقوله تعالى: (فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت) أى: فضرب فانفجرت. ووقع عند المؤلف فى الجهاد أن الرسول وجدهم ببعض الشام. وفى رواية لأبى نعيم فى الدلائل تعيين الموضع وهو غزة. قال: وكانت وجه متجرهم. وكذا رواه ابن إسحاق فى المغازى عن الزهرى، وزاد فى أوله عن أبى سفيان قال: كنا قوما تجارا، وكانت الحرب قد حصبتنا، فلما كانت الهدنة خرجت تاجرا إلى الشام مع رهط من قريش، فوالله ما علمت بمكة امرأة ولا رجلا إلا وقد حملنى بضاعة. فذكره. وفيه: فقال هرقل لصاحب شرطته: قلب الشام ظهرا لبطن حتى تأتى برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه. فوالله إنى وأصحابى بغزة، إذ هجم علينا فساقنا جميعا.

قوله: (بإيلياء) بهمزة مكسورة بعدها ياء أخيرة ساكنة، ثم لام مكسورة ثم ياء أخيرة ثم ألف مهموزة، وحكى البكرى فيها القصر، ويقال لها أيضا إليا بحذف الياء الأولى وسكون اللام حكاه البكرى، وحكى النووى مثله لكن بتقديم الياء على اللام واستغربه، قيل: معناه بيت الله. وفى الجهاد عند المؤلف: أن هرقل لما كشف الله عنه جنود فارس، مشى من حمص إلى إيلياء شكرا لله. زاد ابن إسحاق عن الزهرى: أنه كان تبسط له البسط وتوضع عليها الرياحين فيمشى عليها، ونحوه لأحمد من حديث ابن أخى الزهرى عن عمه. وكان سبب ذلك ما رواه الطبرى وابن عبد الحكم من طرق متعاضدة ملخصها: أن كسرى أغزى جيشه بلاد هرقل، فخربوا كثيرا من بلاده، ثم استبطأ كسرى أميره فأراد قتله وتولية غيره، فاطلع أميره على ذلك فباطن هرقل، واصطلح معه على كسرى وانهزم عنه بجنود فارس، فمشى هرقل إلى بيت المقدس شكرا لله تعالى على ذلك. واسم الأمير المذكور: شهر براز، واسم الغير الذى أراد كسرى تأميره فرحان.

قوله: (فدعاهم فى مجلسه) أى: فى حال كونه فى مجلسه، وللمصنف فى الجهاد"فأدخلنا د"فأدخلنا عليه، فإذا هو جالس فى مجلس ملكه وعليه التاج". قوله: (وحوله) بالنصب لأنه ظرف مكان. قوله: (عظماء) جمع عظيم. ولابن السكن: فأدخلنا عليه وعنده بطارقته والقسيسون والرهبان والروم من ولد عيص بن إسحاق بن إبراهيم -عليهما السلام -على الصحيح، ودخل فيهم طوائف من العرب من تنوخ وبهراء وسليح وغيرهم من غسان كانوا سكانا بالشام، فلما أجلاهم المسلمون عنها دخلوا بلاد الروم، فاستوطنوها فاختلطت أنسابهم. قوله: (ثم دعاهم ودعا ترجمانه) وللمستملى " بالترجمان"مقتضاه: أنه أمر بإحضارهم، فلما حضروا استدناهم لأنه ذكر أنه دعاهم ثم دعاهم فينزل على هذا، ولم يقع تكرار ذلك إلا فى هذه الرواية. والترجمان بفتح التاء المثناة وضم الجيم ورجحه النووى فى شرح مسلم، ويجوز ضم التاء اتباعا، ويجوز فتح الجيم مع فتح أوله حكاه الجوهرى، ولم يصرحوا بالرابعة وهى ضم أوله وفتح الجيم. وفى رواية الأصيلى وغيره"بترجمانه" يعنى: أرسل إليه رسولا أحضره صحبته، والترجمان المعبر عن لغة بلغة، وهو معرب وقيل: عربى . قوله: (فقال: أيكم أقرب نسبا) أى قال الترجمان على لسان هرقل. قوله: (بهذا الرجل) زاد ابن السكن: الذى خرج بأرض العرب يزعم أنه نبى. قوله: (قلت أنا أقربهم نسبا) فى رواية ابن السكن: فقالوا هذا أقربنا به نسبا، هو ابن عمه أخى أبيه. وإنما كان أبو سفيان أقرب لأنه من بنى عبد مناف، وقد أوضح ذلك المصنف فى الجهاد بقوله: قال ما قرابتك منه؟ قلت: هو ابن عمى. قال أبو سفيان: ولم يكن فى الركب من بنى عبد مناف غيرى ا هـ. وعبد مناف الأب الرابع للنبى -صلى الله عليه وسلم -وكذا لأبى سفيان، وأطلق عليه ابن عم لأنه نزل كلا منهما منزلة جده، (1 /35) فعبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن عم أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وعلى هذا ففيما أطلق فى رواية ابن السكن تجوز، وإنما خص هرقل الأقرب لأنه أحرى بالاطلاع على أموره ظاهرا وباطنا أكثر من غيره، ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح فى نسبه بخلاف الأقرب، وظهر ذلك فى سؤاله بعد ذلك: كيف نسبه فيكم؟ وقوله:"بهذا الرجل"ضمن أقرب معنى أوصل فعداه بالباء، ووقع فى رواية مسلم:"من هذا الرجل"وهو على الأصل. وقوله:"الذى يزعم"فى رواية ابن إسحاق عن الزهرى"يدعى". وزعم: قال الجوهرى بمعنى قال، وحكاه أيضا ثعلب وجماعة كما سيأتى فى قصة ضمام فى كتاب العلم. قلت: وهو كثير ويأتى موضع الشك غالبا. قوله: (فاجعلوهم عند ظهره) أى: لئلا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كذب، وقد صرح بذلك الواقدى. وقوله:"إن كذبنى"بتخفيف الذال أى: إن نقل إلى الكذب. قوله: (قال) أى: أبو سفيان. وسقط لفظ قال من رواية كريمة وأبى الوقت فأشكل ظاهره، وبإثباتها يزول الإشكال. قوله: (فوالله لولا الحياء من أن يأثروا) أى: ينقلوا على الكذب لكذبت عليه. وللأصيلى عنه أى: عن الإخبار بحاله. وفيه دليل على أنهم كانوا يستقبحون الكذب إما بالأخذ عن الشرع السابق، أو بالعرف. وفى قوله: يأثروا دون قوله يكذبوا، دليل على أنه كان واثقا منهم بعدم التكذيب أن لو كذب لاشتراكهم معه فى عداوة النبى - صلى الله عليه وسلم-، لكنه ترك ذلك لك استحياء وأنفة من أن يتحدثوا بذلك بعد أن يرجعوا فيصير عند سامعى ذلك كذابا. وفى رواية ابن إسحاق التصريح بذلك ولفظه " فوالله لو قد كذبت ما ردوا على"، ولكنى كنت امرءا سيدا أتكرم عن الكذب، وعلمت أن أيسر ما فى ذلك إن أنا كذبته أن يحفظوا ذلك عنى ثم يتحدثوا به، فلم أكذبه. وزاد ابن إسحاق فى روايته: قال أبو سفيان فوالله ما رأيت من رجل قط كان أدهى من ذلك الأقلف، يعنى: هرقل. قوله: (كان أول) هو بالنصب على الخبر، وبه جاءت الرواية، ويجوز رفعه على الاسمية . قوله: (كيف نسبه فيكم؟) أى: ما حال نسبه فيكم، أهو من أشرافكم أم لا؟ فقال: هو فينا ذو نسب. فالتنوين فيه للتعظيم، وأشكل هذا على بعض الشارحين، وهذا وجهه. قوله: (فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟) وللكشميهنى والأصيلى بدل قبله" مثله"فقوله: منكم أى من قومكم يعنى قريشا أو العرب. ويستفاد منه أن الشفاهى يعم، لأنه لم يرد المخاطبين فقط. وكذا قوله: فهل قاتلتموه؟ وقوله: بماذا يأمركم؟ واستعمل قط بغير أداة النفى وهو نادر، ومنه قول عمر:"صلينا أكثر ما كنا قط وآمنه ركعتين"ويحتمل أن يقال: إن النفى مضمن فيه كأنه قال: هل قال هذا القول أحد أو لم يقله أحد قط. قوله: (فهل كان من آبائه ملك؟) ولكريمة والأصيلى وأبى الوقت بزيادة"من" الجارة، ولابن عساكر بفتح من، وملك فعل ماض، والجارة أرجح لسقوطها من رواية أبى ذر، والمعنى فى الثلاثة واحد. قوله: (فأشراف الناس اتبعوه) فيه إسقاط همزة الاستفهام وهو قليل، وقد ثبت للمصنف فى التفسير ولفظه: أيتبعه أشراف الناس؟ والمراد بالأشراف هنا أهل النخوة والتكبر منهم، لا كل شريف، حتى لا يرد مثل أبى بكر وعمر وأمثالهما ممن أسلم قبل هذا السؤال. ووقع فى رواية ابن إسحاق: تبعه منا الضعفاء والمساكين، فأما ذوو الأنساب والشرف فاتبعه منهم أحد. وهو محمول على الأكثر الأغلب. قوله: (سخطة) بضم أوله وفتحه. وأخرج بهذا من ارتد مكرها، أو لا لسخط لدين الإسلام بل لرغبة فى غيره كحظ نفسانى، كما وقع لعبيد الله بن جحش. قوله: (هل كنتم تتهمونه بالكذب؟) أى: على الناس، وإنما عدل إلى السؤال عن التهمة عن السؤال عن نفس الكذب، تقريرا لهم على صدقه، لأن التهمة إذا انتفت انتفى سببها، ولهذا عقبه بالسؤال عن الغدر. قوله: (ولم تمكنى كلمة أدخل فيها شيئا) أى: أنتقصه به، على أن التنقيص هنا أمر نسبى، وذلك أن من يقطع بعدم غدره أرفع رتبة ممن يجوز وقوع ذلك منه فى الجملة، وقد كان معروفا عندهم بالاستقراء من عادته أنه لا يغدر. (1/36) ولما كان الأمر مغيبا - لأنه مستقبل - أمن أبو سفيان أن ينسب فى ذلك إلى الكذب، ولهذا أورده بالتردد، ومن ثم لم يعرج هرقل على هذا القدر منه. وقد صرح ابن إسحاق فى روايته عن الزهرى بذلك بقوله:"قال فوالله ما التفت إليها منى". ووقع فى رواية أبى الأسود عن عروة مرسلا: " خرج أبو سفيان إلى الشام - فذكر الحديث، إلى أن قال - فقال أبو سفيان: هو ساحر كذاب. فقال هرقل: إنى لا أريد شتمه، ولكن كيف نسبه - إلى أن قال - فهل يغدر إذا عاهد؟ قال: لا، إلا أن يغدر فى هدنته هذه. فقال: وما يخاف من هذه؟ فقال: إن قومى أمدوا حلفاءهم على حلفائه. قال: إن كنتم بدأتم فأنتم أغدر". قوله: (سجال) بكسر أوله، أى: نوب، والسجل: الدلو، والحرب: اسم جنس، ولهذا جعل خبره اسم جمع. وينال أى: يصيب، فكأنه شبه المحاربين بالمستقيين: يستقى هذا دلوا وهذا دلوا. وأشار أبو سفيان بذلك إلى ما وقع بينهم فى غزوة بدر وغزوة أحد، وقد صرح بذلك أبو سفيان يوم أحد فى قوله:"يوم بيوم بدر، والحرب سجال"ولم يرد عليه النبى - صلى الله عليه وسلم -ذلك بل نطق النبى - صلى الله عليه وسلم -بذلك فى حديث أوس بن حذيفة الثقفى لما كان يحدث وفد ثقيف، أخرجه ابن ماجة وغيره. ووقع فى مرسل عروة"قال أبو سفيان: غلبنا مرة يوم بدر وأنا غائب، ثم غزوتهم فى بيوتهم ببقر البطون وجدع الآذان" وأشار بذلك إلى يوم أحد. قوله: (بماذا يأمركم)؟ يدل على أن الرسول من شأنه أن يأمر قومه. قوله: (يقول اعبدوا الله وحده) فيه أن للأمر صيغة معروفة، لأنه أتى بقوله:" اعبدوا الله"فى جواب ما يأمركم، وهو من أحسن الأدلة فى هذه المسألة، لأن أبا سفيان من أهل اللسان، وكذلك الراوى عنه ابن عباس، بل هو من أفصحهم وقد رواه عنه مقرا له. قوله: (ولا تشركوا به شيئا) سقط من رواية المستملى الواو فيكون تأكيدا لقوله وحده. قوله: (واتركوا ما يقول آباؤكم) هى كلمة جامعة لترك ما كانوا عليه فى الجاهلية، وإنما ذكر الآباء تنبيها على عذرهم فى مخالفتهم له، لأن الآباء قدوة عند الفريقين، أى عبدة الأوثان والنصارى. قوله: (ويأمرنا بالصلاة والصدق) وللمصنف فى رواية"الصدقة"بدل الصدق، ورجحها شيخنا شيخ الإسلام، ويقويها رواية المؤلف فى التفسير"الزكاة"واقتران الصلاة بالزكاة معتاد فى الشرع، ويرجحها أيضا ما تقدم من أنهم كانوا يستقبحون الكذب فذكر ما لم يألفوه أولى. قلت: وفى الجملة ليس الأمر بذلك ممتنعا كما فى أمرهم بوفاء العهد وأداء الأمانة، وقد كانا من مألوف عقلائهم، وقد ثبتا عند المؤلف فى الجهاد من رواية أبى ذر عن شيخه الكشميهنى والسرخسى، قال:"بالصلاة والصدق والصدقة"وفى قوله: يأمرنا بعد قوله يقول اعبدوا الله إشارة إلى أن المغايرة بين الأمرين لما يترتب على مخالفهما، إذ مخالف الأول كافر، والثانى ممن قبل الأول عاص. قوله: (فكذلك الرسل تبعث فى نسب قومها) الظاهر أن إخبار هرقل بذلك بالجزم كان عن العلم المقرر عنده فى الكتب السالفة. قوله: (لقلت رجل تأسى بقول) كذا للكشميهنى، ولغيره"يتأسى"بتقديم الياء المثناة من تحت، وإنما لم يقل هرقل:" فقلت " إلا فى هذا وفى قوله:"هل كان من آبائه من ملك"لأن هذين المقامين مقام فكر ونظر، بخلاف غيرهما من الأسئلة فإنها مقام نقل. قوله: (فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه) هو بمعنى قول أبى سفيان ضعفاؤهم، ومثل ذلك يتسامح به لاتحاد المعنى. وقول هرقل:"وهم أتباع الرسل"معناه: أن أتباع الرسل فى الغالب أهل الاستكانة لا أهل الاستكبار الذين أصروا على الشقاق بغيا وحسدا، كأبى جهل وأشياعه، إلى أن أهلكهم الله تعالى، وأنقذ بعد حين من أراد سعادته منهم. قوله (وكذلك الإيمان) أى: أمر الإيمان، لأنه يظهر نورا، ثم لا يزال فى زيادة حتى يتم بالأمور المعتبرة فيه من صلاة وزكاة وصيام وغيرها، ولهذا نزلت فى آخر سنى النبى - صلى الله عليه وسلم -: (اليوم أكملت لكلم دينكم وأتممت عليكم نعمتى) ومنه: (ويأبى الله إلا أن يتم نوره) وكذا جرى لأتباع النبى -صلى الله عليه وسلم-: لم يزالوا فى زيادة حتى كمل بهم ما أراد الله من إظهار دينه وتمام نعمته، فله الحمد والمنة. قوله: (حين يخالط بشاشة القلوب). كذا روى بالنصب على المفعولية والقلوب مضاف إليه، أى: يخالط الإيمان انشراح الصدور، وروى:"بشاشة القلوب"بالضم والقلوب مفعول، أى يخالط بشاشة الإيمان وهو شرحه القلوب التى يدخل فيها. (1/37) زاد المصنف فى الإيمان:"لا يسخطه أحد " كما تقدم. وزاد ابن السكن فى روايته فى معجم الصحابة:"يزداد به عجبا وفرحا". وفى رواية ابن إسحاق:"وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبا فتخرج منه". قوله: (وكذلك الرسل لا تغدر) لأنها لا تطلب حظ الدنيا الذى لا يبالى طالبه بالغدر، بخلاف من طلب الآخرة. ولم يعرج هرقل على الدسيسة التى دسها أبو سفيان كما تقدم. وسقط من هذه الرواية إيراد تقدير السؤال العاشر والذى بعده وجوابه، وقد ثبت الجميع فى رواية المؤلف التى فى الجهاد وسيأتى الكلام عليه ثم، إن شاء الله تعالى. (فائدة): قال المازنى هذه الأشياء التى سأل عنها هرقل ليست قاطعة على النبوة، إلا أنه يحتمل أنها كانت عنده علامات على هذا النبى بعينه لأنه قال بعد ذلك: قد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم. وما أورده احتمالا جزم به ابن بطال، وهو ظاهر. قوله: (فذكرت أنه يأمركم) ذكر ذلك بالاقتضاء، لأنه ليس فى كلام أبى سفيان ذكر الأمر بل صيغته. وقوله:"وينهاكم عن عبادة الأوثان" مستفاد من قوله:"ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم"لأن مقولهم الأمر بعبادة الأوثان. قوله: (أخلص) بضم اللام أى: أصل، يقال خلص إلى كذا أى وصل. قوله: (لتجشمت) بالجيم والشين المعجمة، أى: تكلفت الوصول إليه. وهذا يدل على أنه كان يتحقق أنه لا يسلم من القتل إن هاجر إلى النبى -صلى الله عليه وسلم-، واستفاد ذلك بالتجربة كما فى قصة ضغاطر الذى أظهر لهم إسلامه فقتلوه. وللطبرانى من طريق ضعيف عن عبد الله بن شداد عن دحية فى هذه القصة مختصرا، فقال قيصر: أعرف أنه كذلك، ولكن لا أستطيع أن أفعل، إن فعلت ذهب ملكى وقتلنى الروم. وفى مرسل ابن إسحاق بعض أهل العلم أن هرقل قال: ويحك، والله إنى لأعلم أنه نبى مرسل، ولكنى أخاف الروم على نفسى، ولولا ذلك لاتبعته. لكن لو تفطن هرقل لقوله -صلى الله عليه وسلم -فى الكتاب الذى أرسل إليه"أسلم تسلم"وحمل الجزاء على عمومه فى الدنيا والآخرة، لسلم لو أسلم من كل ما يخافه. ولكن التوفيق بيد الله تعالى. قوله:"لغسلت عن قدميه"مبالغة فى العبودية له والخدمة. زاد عبد الله بن شداد عن أبى سفيان:" لو علمت أنه هو لمشيت إليه حتى أقبل رأسه وأغسل قدميه"وهى تدل على أنه كان بقى عنده بعض شك. وزاد فيها:"ولقد رأيت جبهته تتحادر عرقا من كرب الصحيفة"يعنى: لما قرئ عليه كتاب النبى -صلى الله عليه وسلم-. وفى اقتصاره على ذكر غسل القدمين إشارة منه إلى أنه لا يطلب منه - إذا وصل إليه سالما - لا ولاية ولا منصبا، وإنما يطلب ما تحصل له به البركة. وقوله:"وليبلغن ملكه ما تحت قدمى" أى: بيت المقدس، وكنى بذلك لأنه موضع استقراره. أو أراد الشام كله لأن دار مملكته كانت حمص. ومما يقوى أن هرقل آثر ملكه على الإيمان واستمر على الضلال، أنه حارب المسلمين فى غزوة مؤتة سنة ثمان بعد هذه القصة بدون السنتين، ففى مغازى ابن إسحاق: وبلغ المسلمين لما نزلوا معان من أرض الشام، أن هرقل نزل فى مائة ألف من المشركين، فحكى كيفية الوقعة. وكذا روى ابن حبان فى صحيحه عن أنس أن النبى -صلى الله عليه وسلم -كتب إليه أيضا من تبوك يدعوه، وأنه قارب الإجابة، ولم يجب. فدل ظاهر ذلك على استمراره على الكفر، لكن يحتمل مع ذلك أنه كان يضمر الإيمان ويفعل هذه المعاصى مراعاة لملكه وخوفا من أن يقتله قومه. إلا أن فى مسند أحمد أنه كتب من تبوك إلى النبى -صلى الله عليه وسلم-: إنى مسلم. فقال النبى -صلى الله عليه وسلم-: كذب، بل هو على نصرانيته. وفى كتاب الأموال لأبى عبيد بسند صحيح من مرسل بكر عبد الله المزنى نحوه، ولفظه فقال: كذب عدو الله، ليس بمسلم. فعلى هذا إطلاق صاحب الاستيعاب أنه آمن - أى أظهر التصديق - لكنه لم يستمر عليه ويعمل بمقتضاه، بل شح بملكه وآثر الفانية على الباقية. والله الموفق. قوله: (ثم دعا) أى: من وكل ذلك إليه، ولهذا عدى إلى الكتاب بالباء. والله أعلم. (1/38) قوله: (دحية) بكسر الدال، وحكى فتحها لغتان، ويقال إنه الرئيس بلغة أهل اليمن، وهو ابن خليفة الكلبى، صحابى جليل كان أحسن الناس وجها، وأسلم قديما، وبعثه النبى -صلى الله عليه وسلم - فى آخر سنة ست بعد أن رجع من الحديبية بكتابه إلى هرقل، وكان وصوله إلى هرقل فى المحرم سنة سبع، قاله الواقدى. ووقع فى تاريخ خليفة أن إرسال الكتاب إلى هرقل كان سنة خمس، والأول أثبت، بل هذا غلط لتصريح أبى سفيان بأن ذلك كان فى مدة الهدنة، والهدنة كانت فى آخر سنة ست اتفاقا، ومات دحية فى خلافة معاوية. وبصرى بضم أوله والقصر مدينة بين المدينة ودمشق، وقيل هى حوران، وعظيمها هو الحارث بن أبى شمر الغسانى. وفى الصحابة لابن السكن أنه أرسل بكتاب النبى -صلى الله عليه وسلم -إلى هرقل مع عدى بن حاتم، وكان عدى إذ ذاك نصرانيا، فوصل به هو ودحية معا، وكانت وفاة الحارث المذكور عام الفتح. قوله: (من محمد) فيه أن السنة أن يبدأ الكتاب بنفسه، وهو قول الجمهور، بل حكى فيه النحاس إجماع الصحابة. والحق إثبات الخلاف. وفيه أن"من"التى لابتداء الغاية تأتى من غير الزمان والمكان كذا قاله أبو حيان، والظاهر أنها هنا أيضا لم تخرج عن ذلك، لكن بارتكاب مجاز. زاد فى حديث دحية: وعنده ابن أخ له أحمر أزرق سبط الرأس. وفيه: لما قرأ الكتاب سخر فقال: لا تقرأه، إنه بدأ بنفسه. فقال قيصر: لتقرأنه. فقرأه. وقد ذكر البزار فى مسنده عن دحية الكلبى أنه هو ناول الكتاب لقيصر، ولفظه" بعثنى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بكتابه إلى قيصر فأعطيته الكتاب". قوله: (عظيم الروم) فيه عدول عن ذكره بالملك أو الإمرة، لأنه معزول بحكم الإسلام، لكنه لم يخله من إكرام لمصلحة التألف. وفى حديث دحية أن ابن أخى قيصر أنكر أيضا كونه لم يقل ملك الروم. قوله: (سلام على من اتبع الهدى) فى رواية المصنف فى الاستئذان"السلام"بالتعريف. وقد ذكرت فى قصة موسى وهارون مع فرعون. وظاهر السياق يدل على أنه من جملة ما أمرا به أن يقولاه. فإن قيل: كيف يبدأ الكافر بالسلام؟ فالجواب أن المفسرين قالوا: ليس المراد من هذا التحية، إنما معناه سلم من عذاب الله من أسلم. ولهذا جاء بعده أن العذاب على من كذب وتولى. وكذا جاء فى بقية هذا الكتاب"فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين". فمحصل الجواب أنه لم يبدأ الكافر بالسلام قصدا وإن كان اللفظ يشعر به، لكنه لم يدخل فى المراد لأنه ليس ممن اتبع الهدى فلم يسلم عليه. قوله: (أما بعد) فى قوله"أما"معنى الشرط، وتستعمل لتفصيل ما يذكر بعدها غالبا، وقد ترد مستأنفة لا لتفصيل كالتى هنا، وللتفصيل والتقرير. وقال الكرمانى: هى هنا للتفصيل وتقديره: أما الابتداء فهو اسم الله، وأما المكتوب فهو من محمد رسول الله الخ، كذا قال. ولفظة"بعد"مبنية على الضم، وكان الأصل أن تفتح لو استمرت على الإضافة، لكنها قطعت عن الإضافة فبنيت على الضم، وسيأتى مزيد فى الكلام عليها فى كتاب الجمعة. قوله: (بدعاية الإسلام) بكسر الدال، من قولك دعا يدعو دعاية نحو شكا يشكو شكاية . ولمسلم:"بداعية الإسلام"أى: بالكلمة الداعية إلى الإسلام، وهى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والباء موضع إلى. وقوله:"أسلم تسلم"غاية فى البلاغ، وفيه نوع من البديع وهو الجناس الاشتقاقى . قوله: (يؤتك) جواب ثان للأمر. وفى الجهاد للمؤلف"أسلم أسلم يؤتك" بتكرار أسلم، فيحتمل التأكيد، ويحتمل أن يكون الأمر الأول للدخول فى الإسلام والثانى للدوام عليه كما فى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله) الآية. وهو موافق لقوله تعالى: (أولئك يؤتون أجرهم مرتين) الآية. وإعطاؤه الأجر مرتين لكونه كان مؤمنا بنبيه ثم آمن بمحمد -صلى الله عليه وسلم-، ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر له من جهة إسلامه ومن جهة أن إسلامه يكون سببا لدخول أتباعه. وسيأتى التصريح بذلك فى موضعه من حديث الشعبى من كتاب العلم إن شاء الله تعالى. واستنبط منه شيخنا شيخ الإسلام أن كل من دان بدين أهل الكتاب كان فى حكمهم فى المناكحة والذبائح، لأن هرقل هو وقومه ليسوا من بنى إسرائيل، وهم ممن دخل فى النصرانية بعد التبديل. وقد قال له ولقومه: (يا أهل الكتاب) فدل على أن لهم حكم أهل الكتاب (1/39) خلافا لمن خص ذلك بالإسرائيليين أو بمن علم أن سلفه ممن دخل فى اليهودية أو النصرانية قبل التبديل. والله أعلم. قوله: (فإن توليت) أى: أعرضت عن الإجابة إلى الدخول فى الإسلام. وحقيقة التولى إنما هو بالوجه، ثم استعمل مجازا فى الإعراض عن الشيء، وهى استعارة تبعية. قوله: (الأريسيين) هو جمع أريسى، وهو منسوب إلى أريس بوزن فعيل، وقد تقلب همزته ياء كما جاءت به رواية أبى ذر والأصيلى وغيرهما هنا، قال ابن سيده: الأريس الأكار، أى: الفلاح عند ثعلب، وعند كراع: الأريس هو الأمير. وقال الجوهرى: هى لغة شامية، وأنكر ابن فارس أن تكون عربية، وقيل فى تفسيره غير ذلك لكن هذا هو الصحيح هنا، فقد جاء مصرحا به فى رواية ابن إسحاق عن الزهرى بلفظ"فإن عليك إثم الأكارين"زاد البرقانى فى روايته: يعنى الحراثين، ويؤيده أيضا ما فى رواية المدائنى من طريق مرسلة " فإن عليك إثم الفلاحين"، وكذا عند أبى عبيد فى كتاب الأموال من مرسل عبد الله بن شداد"وإن لم تدخل فى الإسلام فلا تحل بين الفلاحين وبين الإسلام"قال أبو عبيدة: المراد بالفلاحين أهل مملكته، لأن كل من كان يزرع فهو عند العرب فلاح، سواء كان يلى ذلك بنفسه أو بغيره. قال الخطابى: أراد أن عليك إثم الضعفاء والأتباع إذا لم يسلموا تقليدا له، لأن الأصاغر أتباع الأكابر. قلت: وفى الكلام حذف دل المعنى عليه وهو: فإن عليك مع إثمك إثم الأريسيين، لأنه إذا كان عليه إثم الأتباع بسبب أنهم تبعوه على استمرار الكفر فلأن يكون عليه إثم نفسه أولى، وهذا يعد من مفهوم الموافقة، ولا يعارض بقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) لأن وزر الآثم لا يتحمله غيره، ولكن الفاعل المتسبب والمتلبس بالسيئات يتحمل من جهتين جهة فعله وجهة تسببه. وقد ورد تفسير الأريسيين بمعنى آخر، فقال الليث بن سعد عن يونس فيما رواه الطبرانى فى الكبير من طريقه: الأريسيون العشارون يعنى أهل المكس. والأول أظهر. وهذا إن صح أنه المراد، فالمعنى المبالغة فى الإثم، ففى الصحيح فى المرأة التى اعترفت بالزنا"لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لقبلت". قوله: (ويا أهل الكتاب الخ) هكذا وقع بإثبات الواو فى أوله، وذكر القاضى عياض أن الواو ساقطة من رواية الأصيلى وأبى ذر، وعلى ثبوتها فهى داخلة على مقدر معطوف على قوله:"أدعوك"، فالتقدير: أدعوك بدعاية الإسلام، وأقول لك ولأتباعك امتثالا لقول الله تعالى: (يا أهل الكتاب) . ويحتمل أن تكون من كلام أبى سفيان لأنه لم يحفظ جميع ألفاظ الكتاب، فاستحضر منها أول الكتاب فذكره، وكذا الآية. وكأنه قال فيه: كان فيه كذا وكان فيه يا أهل الكتاب. فالواو من كلامه لا من نفس الكتاب، وقيل إن النبى -صلى الله عليه وسلم -كتب ذلك قبل نزول الآية فوافق لفظه لفظها لما نزلت، والسبب فى هذا أن هذه الآية نزلت فى قصة وفد نجران، وكانت قصتهم سنة الوفود سنة تسع، وقصة سفيان كانت قبل ذلك سنة ست، وسيأتى ذلك واضحا فى المغازى، وقيل: بل نزلت سابقة فى أوائل الهجرة، وإليه يومئ كلام ابن إسحاق. وقيل: نزلت فى اليهود. وجوز بعضهم نزولها مرتين، وهو بعيد. (فائدة): قيل فى هذا دليل على جواز قراءة الجنب للآية أو الآيتين، وبإرسال بعض القرآن إلى أرض العدو وكذا بالسفر به. وأغرب ابن بطال فادعى أن ذلك نسخ بالنهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو ويحتاج إلى إثبات التاريخ بذلك. ويحتمل أن يقال: إن المراد بالقرآن فى حديث النهى عن السفر به أى المصحف، وسيأتى الكلام على ذلك فى موضعه. وأما الجنب فيحتمل أن يقال إذا لم يقصد التلاوة جاز، على أن فى الاستدلال بذلك من هذه القصة نظرا، فإنها واقعة عين لا عموم فيها، فيقيد الجواز على ما إذا وقع احتياج إلى ذلك كالإبلاغ والإنذار كما فى هذه القصة، وأما الجواز مطلقا حيث لا ضرورة فلا يتجه، وسيأتى مزيدا لذلك فى كتاب الطهارة إن شاء الله تعالى. وقد اشتملت هذه الجمل القليلة التى تضمنها هذا الكتاب على الأمر بقوله:" أسلم"والترغيب بقوله:"تسلم ويؤتك " والزجر بقوله:"فإن توليت" (1/ 40) والترهيب بقوله:"فإن عليك"والدلالة بقوله:"يا أهل الكتاب"وفى ذلك من البلاغة ما لا يخفى، وكيف لا وهو كلام من أوتى جوامع الكلم -صلى الله عليه وسلم-. قوله: (فلما قال ما قال) يحتمل أن يشير بذلك إلى الأسئلة والأجوبة، ويحتمل أن يشير بذلك إلى القصة التى ذكرها ابن الناطور بعد، والضمائر كلها تعود على هرقل. والصخب: اللغط، وهو اختلاط الأصوات فى المخاصمة، زاد فى الجهاد: فلا أدرى ما قالوا. قوله: (فقلت لأصحابى) زاد فى الجهاد: حين خلوت بهم. قوله: (أمر) هو بفتح الهمزة وكسر الميم أى: عظم، وسيأتى فى تفسير سبحان. وابن أبى كبشة أراد به النبى -صلى الله عليه وسلم -لأن أبا كبشة أحد أجداده، وعادة العرب إذا انتقصت نسبت إلى جد غامض، قال أبو الحسن النسابة الجرجانى: هو جد وهب جد النبى -صلى الله عليه وسلم - لأمه. وهذا فيه نظر، لأن وهبا جد النبى -صلى الله عليه وسلم -اسم أمه عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال، ولم يقل أحد من أهل النسب إن الأوقص يكنى أبا كبشة. وقيل: هو جد عبد المطلب لأمه، وفيه نظر أيضا لأن أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو بن زيد الخزرجى، ولم يقل أحد من أهل النسب إن عمرو بن زيد يكنى أبا كبشة. ولكن ذكر ابن حبيب فى المجتبى جماعة من أجداد النبى -صلى الله عليه وسلم -من قبل أبيه ومن قبل أمه كل واحد منهم يكنى أبا كبشة، وقيل هو أبوه من الرضاعة واسمه الحارث بن عبد العزى، قاله أبو الفتح الأزدى وابن ماكولا، وذكر يونس ابن بكير عن ابن إسحاق عن أبيه عن رجال من قومه أنه أسلم وكانت له بنت تسمى كبشة يكنى بها. وقال ابن قتيبة والخطابى والدارقطنى: هو رجل من خزاعة خالف قريشا فى عبادة الأوثان فعبد الشعرى فنسبوه إليه للاشتراك فى مطلق المخالفة، وكذا قاله الزبير، قال: واسمه وجز بن عامر بن غالب. قوله: (إنه يخافه) هو بكسر الهمزة استئنافا تعليليا لا بفتحها ولثبوت اللام فى"ليخافه"فى رواية أخرى. قوله: (ملك بنى الأصفر) هم الروم، ويقال إن جدهم روم بن عيص تزوج بنت ملك الحبشة فجاء لون ولده بين البياض والسواد فقيل له الأصفر، حكاه ابن الأنبارى. وقال ابن هشام فى التيجان: إنما لقب الأصفر لأن جدته سارة زوج إبراهيم حلته بالذهب. قوله: (فما زلت موقنا) زاد فى حديث عبد الله بن شداد عن أبى سفيان"فما زلت مرعوبا من محمد حتى أسلمت"أخرجه الطبرانى. قوله: (حتى أدخل الله على الإسلام) أى: فأظهرت ذلك اليقين، وليس المراد أن ذلك اليقين ارتفع. قوله: (وكان ابن الناطور) هو بالطاء المهملة. وفى رواية الحموى بالظاء المعجمة، وهو بالعربية حارس البستان. ووقع فى رواية الليث عن يونس"ابن ناطورا"بزيادة ألف فى آخره. فعلى هذا هو اسم أعجمى. (تنبيه): الواو فى قوله:"وكان" عاطفة، والتقدير عن الزهرى أخبرنى عبيد الله فذكر الحديث، ثم قال الزهرى: وكان ابن الناطور يحدث فذكر هذه القصة، فهى موصولة إلى ابن الناطور لا معلقة كما زعم بعض من لا عناية له بهذا الشأن، وكذلك أغرب بعض المغاربة فزعم أن قصة ابن الناطور مروية بالإسناد المذكور عن أبى سفيان عنه لأنه لما رآها لا تصريح فيها بالسماع حملها على ذلك، وقد بين أبو نعيم فى دلائل النبوة أن الزهرى قال: لقيته بدمشق فى زمن عبد الملك بن مروان. وأظنه لم يتحمل عنه ذلك إلا بعد أن أسلم، وإنما وصفه بكونه كان سقفا لينبه على أنه كان مطلعا على أسرارهم عالما بحقائق أخبارهم، وكأن الذى جزم بأنه من رواية الزهرى عن عبيد الله اعتمد على ما وقع فى سيرة ابن إسحاق فإنه قدم قصة ابن الناطور هذه على حديث أبى سفيان، فعنده عن عبيد الله عن ابن عباس أن هرقل أصبح خبيث النفس، فذكر نحوه. وجزم الحفاظ بما ذكرته أولا، وهذا مما ينبغى أن يعد فيما وقع من الإدراج أول الخبر. والله أعلم. قوله: (صاحب إيلياء) أى: أميرها، هو منصوب على الاختصاص أو الحال، أو مرفوع على الصفة، وهى رواية أبى ذر، والإضافة التى فيه تقوم مقام التعريف. (1/ 41) وقول من زعم أنها فى تقدير الانفصال فى مقام المنع، وهرقل معطوف على إيلياء، وأطلق عليه الصحبة له إما بمعنى اتبع، وإما بمعنى الصداقة، وفيه استعمال صاحب فى معنيين مجازى وحقيقى، لأنه بالنسبة إلى إيلياء أمير وذاك مجاز، وبالنسبة إلى هرقل تابع وذلك حقيقة. قال الكرمانى: وإرادة المعنيين الحقيقى والمجازى من لفظ واحد جائز عند الشافعى، وعند غيره محمول على إرادة معنى شامل لهما وهذا يسمى عموم المجاز. وقوله:"سقفا"بضم السين والقاف كذا فى رواية غير أبى ذر، وهو منصوب على أنه خبر كان، و"يحدث"خبر بعد خبر. وفى رواية الكشميهنى سقف بكسر القاف على ما لم يسم فاعله. وفى رواية المستملى والسرخسى مثله لكن بزيادة ألف فى أوله، والأسقف والسقف لفظ أعجمى ومعناه رئيس دين النصارى، وقيل: عربى وهو الطويل فى انحناء، وقيل: ذلك للرئيس لأنه يتخاشع. وقال بعضهم: لا نظير له فى وزنه إلا الأسرب وهو الرصاص، لكن حكى ابن سيده ثالثا وهو الأسكف للصانع، ولا يرد الأترج لأنه جمع والكلام إنما هو فى المفرد، وعلى رواية أبى ذر يكون الخبر الجملة التى هى:"يحدث أن هرقل"، فالواو فى قوله: "وكان "عاطفة والتقدير عن الزهرى: أخبرنى عبيد الله بن عبد الله، فذكر حديث أبى سفيان بطوله ثم قال الزهرى: وكان ابن الناطور يحدث. وهذا صورة الإرسال. قوله: (حين قدم إيلياء) يعنى فى هذه الأيام، وهى عند غلبة جنوده على جنود فارس وإخراجهم، وكان ذلك فى السنة التى اعتمر فيها النبى -صلى الله عليه وسلم - عمرة الحديبية، وبلغ المسلمين نصرة الروم على فارس ففرحوا. وقد ذكر الترمذى وغيره القصة مستوفاة فى تفسير قوله تعالى: (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) ، وفى أول الحديث فى الجهاد عند المؤلف الإمارة إلى ذلك. قوله: (خبيث النفس) أى: رديء النفس غير طيبها، أى مهموما. وقد تستعمل فى كسل النفس، وفى الصحيح: " لا يقولن أحدكم خبثت نفسى"كأنه كره اللفظ، والمراد بالخطاب المسلمون، وأما فى حق هرقل فغير ممتنع. وصرح فى رواية ابن إسحاق بقولهم له:" لقد أصبحت مهموما". والبطارقة: جمع بطريق بكسر أوله وهم خواص دولة الروم. قوله: (حزاء) بالمهملة وتشديد الزاى آخره همزة منونة أى كاهنا، يقال حزا بالتخفيف يحزو حزوا أى تكهن، وقوله:" ينظر فى النجوم"إن جعلتها خبرا ثانيا صح لأنه كان ينظر فى الأمرين، وإن جعلتها تفسيرا للأول فالكهانة تارة تستند إلى إلقاء الشياطين وتارة تستفاد من أحكام النجوم، وكان كل من الأمرين فى الجاهلية شائعا ذائعا، إلى أن أظهر الله الإسلام فانكسرت شوكتهم وأنكر الشرع الاعتماد عليهم، وكان ما اطلع عليه هرقل من ذلك بمقتضى حساب المنجمين، أنهم زعموا أن المولد النبوى كان بقران العلويين ببرج العقرب، وهما يقترنان فى كل عشرين سنة مرة إلا أن تستوفى المثلثة بروجها فى ستين سنة، فكان ابتداء العشرين الأولى المولد النبوى فى القرآن المذكور، وعند تمام العشرين الثانية مجيء جبريل بالوحى، وعند تمام الثالثة فتح خيبر وعمرة القضية التى جرت فتح مكة وظهور الإسلام، وفى تلك الأيام رأى هرقل ما رأى. ومن جملة ما ذكروه أيضا أن برج العقرب مائى وهو دليل ملك القوم الذين يختتنون، فكان ذلك دليلا على انتقال الملك إلى العرب، وأما اليهود فليسوا مرادا هنا لأن هذا لمن ينقل إليه الملك لا لمن انقضى ملكه. فإن قيل: كيف ساغ للبخارى إيراد هذا الخبر المشعر بتقوية أمر المنجمين والاعتماد على ما تدل عليه أحكامهم؟ فالجواب: أنه لم يقصد ذلك، بل قصد أن يبين أن الإشارات بالنبى -صلى الله عليه وسلم - جاءت من كل طريق وعلى لسان كل فريق من كاهن أو منجم محق أو مبطل أنسى أو جنى، وهذا من أبدع ما يشير إليه عالم أو يجنح إليه محتج. وقد قيل: إن الحزاء هو الذى ينظر فى الأعضاء وفى خيلان الوجه فيحكم على صاحبها بطريق الفراسة. وهذا إن ثبت فلا يلزم منه حصره فى ذلك بل اللائق بالسياق فى حق هرقل ما تقدم. (1/ 42) قوله: (ملك الختان) بضم الميم وإسكان اللام، وللكشميهنى بفتح الميم وكسر اللام. قوله: (قد ظهر) أى: غلب، يعنى دله نظره فى حكم النجوم على أن ملك الختان قد غلب، وهو كما قال، لأن فى تلك الأيام كان ابتداء ظهور النبى -صلى الله عليه وسلم - إذ صالح كفار مكة بالحديبية وأنزل الله تعالى عليه: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) إذ فتح مكة كان سببه نقض قريش العهد الذى كان بينهم بالحديبية، ومقدمة الظهور ظهور. قوله: (من هذه الأمة) أى: من أهل هذا العصر، وإطلاق الأمة على أهل العصر كلهم فيه تجوز، وهذا بخلاف قوله: بعد هذا ملك هذه الأمة قد ظهر، فإن مراده به العرب خاصة، والحصر فى قولهم إلا اليهود هو بمقتضى علمهم، لأن اليهود كانوا بإيلياء وهى بيت المقدس كثيرين تحت الذلة مع الروم، بخلاف العرب فإنهم وإن كان منهم من هو تحت طاعة ملك الروم كآل غسان لكنهم كانوا ملوكا برأسهم. قوله: (فلا يهمنك) بضم أوله، من أهم: أثار الهم. وقوله:"شأنهم"أى: أمرهم. و"مدائن ": جمع مدينة قال أبو على الفارسى: من جعله فعليه من قولك مدن بالمكان أى: أقام به، همزه كقبائل، ومن جعله مفعلة من قولك دين أى: ملك، لم يهمز كمعايش. انتهى. وما ذكره فى معايش هو المشهور، وقد روى خارجة عن نافع القارئ الهمز فى معايش. وقال القزاز: من همزها توهمها من فعيلة لشبهها بها فى اللفظ. انتهى. قوله: (فبينما هم على أمرهم) أى: فى هذه المشورة. قوله: (أتى هرقل برجل) لم يذكر من أحضره . وملك غسان هو صاحب بصرى الذى قدمنا ذكره، وأشرنا إلى أن ابن السكن روى أنه أرسل من عنده عدى بن حاتم، فيحتمل أن يكون هو المذكور. والله أعلم. قوله: (عن خبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم -) فسر ذلك ابن إسحاق فى روايته فقال: خرج من بين أظهرنا رجل يزعم أنه نبى، فقد اتبعه ناس، وخالفه ناس، فكانت بينهم ملاحم فى مواطن، فتركتهم وهم على ذلك. فبين ما أجمل فى حديث الباب لأنه يوهم أن ذلك كان فى أوائل ما ظهر النبى -صلى الله عليه وسلم-. وفى رواية أنه قال: جردوه، فإذا هو مختتن، فقال: هذا والله الذى رأيته، أعطه ثوبه. قوله: (هم يختتنون) فى رواية الأصيلى" هم مختتنون"بالميم والأول أفيد وأشمل. قوله: (هذا ملك هذه الأمة قد ظهر) كذا لأكثر الرواة بالضم ثم السكون، وللقابسى بالفتح ثم الكسر، ولأبى ذر عن الكشميهنى وحده يملك فعل مضارع، قال القاضى: أظنها ضمة الميم اتصلت بها فتصحفت، ووجهه السهيلى فى أماليه بأنه مبتدأ وخبر، أى هذا المذكور بملك هذه الأمة. وقيل يجوز أن يكون يملك نعتا، أى: هذا رجل بملك هذه الأمة. وقال شيخنا: يجوز أن يكون المحذوف هو الموصول على رأى الكوفيين، أى هذا الذى يملك، وهو نظير قوله:"وهذا تحملين طليق". على أن الكوفيين يجوزون استعمال اسم الإشارة بمعنى الاسم الموصول، فيكون التقدير: الذى يملك، من غير حذف، قلت: لكن اتفاق الرواة على حذف الياء فى أوله دال على ما قال القاضى فيكون شاذا. على أننى رأيت فى أصل معتمد وعليه علامة السرخسى بباء موحدة فى أوله، وتوجيهها أقرب من توجيه الأول، لأنه حينئذ تكون الإشارة بهذا إلى ما ذكره من نظره فى حكم النجوم، والباء متعلقة بظهر، أى هذا الحكم ظهر بملك هذه الأمة التى تختتن. قوله: (برومية) بالتخفيف، وهى مدينة معروفة للروم. وحمص مجرور بالفتحة منع صرفه للعلمية والتأنيث. ويحتمل أن يجوز صرفه. قوله: (فلم يرم) بفتح أوله وكسر الراء أى: لم يبرح من مكانه، هذا هو المعروف. وقال الداودى: لم يصل إلى حمص وزيفوه. قوله: (حتى أتاه كتاب من صاحبه) وفى حديث دحية الذى أشرت إليه قال: فلما خرجوا أدخلنى عليه وأرسل إلى الأسقف وهو صاحب أمرهم فقال: هذا الذى كنا ننتظر، وبشرنا به عيسى، أما أنا فمصدقه ومتبعه . فقال له قيصر: أما أنا إن فعلت ذلك ذهب ملكى، فذكر القصة، وفى آخره: فقال لى الأسقف: خذ هذا الكتاب واذهب إلى صاحبك فاقرأ عليه السلام وأخبره أنى أشهد أن لا إله إ لا الله وأن محمدا رسول الله، وأنى قد آمنت به وصدقته، وأنهم قد أنكروا على ذلك. (1/43) ثم خرج إليهم فقتلوه. وفى رواية ابن إسحاق أن هرقل أرسل دحية إلى ضغاطر الرومى وقال: إنه فى الروم أجوز قولا منى، وإن ضغاطر المذكور أظهر إسلامه وألقى ثيابه التى كانت عليه ولبس ثيابا بيضا وخرج على الروم فدعاهم إلى الإسلام وشهد شهادة الحق، فقاموا إليه فضربوه حتى قتلوه. قال: فلما رجع دحية إلى هرقل قال له: قد قلت لك إنا نخافهم على أنفسنا، فضغاطر كان أعظم عندهم منى. قلت: فيحتمل أن يكون هو صاحب رومية الذى أبهم هنا، لكن يعكر عليه ما قيل: إن دحية لم يقدم على هرقل بهذا الكتاب المكتوب فى سنة الحديبية، وإنما قدم عليه بالكتاب المكتوب فى غزوة تبوك، فالراجح أن دحية قدم على هرقل أيضا فى الأولى، فعلى هذا يحتمل أن تكون وقعت لكل من الأسقف ومن ضغاطر قصة قتل كل منهما بسببها، أو وقعت لضغاطر قصتان إحداهما التى ذكرها ابن الناطور وليس فيها أنه أسلم ولا أنه قتل، والثانية التى ذكرها ابن إسحاق فإن فيها قصته مع دحية وأنه أسلم وقتل. والله أعلم. قوله: (وسار هرقل إلى حمص) لأنها كانت دار ملكه كما قدمناه، وكانت فى زمانهم أعظم من دمشق. وكان فتحها على يد أبى عبيدة بن الجراح سنة ست عشرة بعد هذه القصة بعشر سنين. قوله: (وأنه نبى) يدل على أن هرقل وصاحبه أقرا بنبوة نبينا -صلى الله عليه وسلم-، لكن هرقل كما ذكرنا لم يستمر على ذلك بخلاف صاحبه. قوله: (فأذن) هى: بالقصر من الإذن. وفى رواية المستملى وغيره بالمد ومعناه أعلم. و"الدسكرة"بسكون السين المهملة: القصر الذى حوله بيوت، وكأنه دخل القصر ثم أغلقه وفتح أبواب البيوت التى حوله وأذن للروم فى دخولها ثم أغلقها ثم اطلع عليهم فخاطبهم، وإنما فعل ذلك خشية أن يثبوا به كما وثبوا بضغاطر. قوله: (والرشد) فتحتين (وأن يثبت ملككم) لأنهم إن تمادوا على الكفر كان سببا لذهاب ملكهم، كما عرف هو ذلك من الأخبار السابقة. قوله: (فتبايعوا) بمثناة ثم موحدة، وللكشميهنى بمثناتين وموحدة، وللأصيلى" فنبايع"بنون وموحدة (لهذا النبى) كذا لأبى ذر وللباقين بحذف اللام. قوله: (فحاصوا) بمهملتين أى: نفروا، وشبههم بالوحوش لأن نفرتها أشد من نفرة البهائم الإنسية، وشبههم بالحمر دون غيرها من الوحوش لمناسبة الجهل وعدم الفطنة بل هم أضل. قوله: (وأيس) فى رواية الكشميهنى والأصيلى " ويئس"بيائين تحتانيتين وهما بمعنى قنط والأول مقلوب من الثانى. قوله: (من الإيمان) أى من إيمانهم لما أظهروه، ومن إيمانه لأنه شح بملكه كما قدمنا، وكان يحب أن يطيعوه فيستمر ملكه ويسلم ويسلموا بإسلامهم، فما أيس من الإيمان إلا بالشرط الذى أراده، وإلا فقد كان قادرا على أن يفر عنهم ويترك ملكه رغبة فيما عند الله والله الموفق. قوله: (آنفا) أى: قريبا، وهو منصوب على الحال. قوله: (فقد رأيت) زاد فى التفسير: فقد رأيت منكم الذى أحببت. قوله: (فكان ذلك آخر شأن هرقل) أى: فيما يتعلق بهذه القصة المتعلقة بدعائه إلى الإيمان خاصة لأنه انقضى أمره حينئذ ومات، أو أنه أطلق الآخرية بالنسبة إلى ما فى علمه، وهذا أوجه، لأن هرقل وقعت له قصص أخرى بعد ذلك، منها ما أشرنا إليه من تجهيزه الجيوش إلى مؤتة ومن تجهيزه الجيوش أيضا إلى تبوك، ومكاتبة النبى -صلى الله عليه وسلم -له ثانيا، وإرساله إلى النبى -صلى الله عليه وسلم -بذهب فقسمه بين أصحابه كما فى رواية ابن حبان التى أشرنا إليها قبل وأبى عبيد، وفى المسند من طريق سعيد بن أبى راشد التنوخى رسول هرقل قال: قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم - تبوك فبعث دحية إلى هرقل، فلما جاءه الكتاب دعا قسيسى الروم وبطارقتها، فذكر الحديث، قال فتحيروا حتى إن بعضهم خرج من برنسه، فقال: اسكتوا، فإنما أردت أن أعلم تمسككم بدينكم. وروى ابن إسحاق عن خالد بن بشار عن رجل من قدماء الشام: أن هرقل لما أراد الخروج من الشام إلى القسطنطينية عرض على الروم أمورا: (1/44) إما الإسلام وإما الجزية، وإما أن يصالح النبى -صلى الله عليه وسلم -ويبقى لهم ما دون الدرب، فأبوا، وأنه انطلق حتى إذا أشرف على الدرب استقبل أرض الشام ثم قال: السلام عليك أرض سورية - يعنى الشام - تسليم المودع، ثم ركض حتى دخل القسطنطينية. واختلف الإخباريون هل هو الذى حاربه المسلمون فى زمن أبى بكر وعمر أو ابنه؟ والأظهر أنه هو. والله أعلم. (تنبيه) لما كان أمر هرقل فى الإيمان عند كثير من الناس مستبهما، لأنه يحتمل أن يكون عدم تصريحه بالإيمان للخوف على نفسه من القتل، ويحتمل أن يكون استمر على الشك حتى مات كافرا. وقال الراوى فى آخر القصة: فكان ذلك آخر شأن هرقل، ختم به البخارى هذا الباب الذى استفتحه بحديث الأعمال بالنيات، كأنه قال إن صدقت نيته انتفع بها فى الجملة، وإلا فقد خاب وخسر. فظهرت مناسبة إيراد قصة ابن الناطور فى بدء الوحى لمناسبتها حديث الأعمال المصدر الباب به. ويؤخذ للمصنف من آخر لفظ فى القصة براعة الاختتام، وهو واضح مما قررناه. فإن قيل: ما مناسبة حديث أبى سفيان فى قصة هرقل ببدء الوحى؟ فالجواب أنها تضمنت كيفية حال الناس مع النبى -صلى الله عليه وسلم -فى ذلك الابتداء، ولأن الآية المكتوبة إلى هرقل للدعاء إلى الإسلام ملتئمة مع الآية التى فى الترجمة وهى قوله تعالى: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح) الآية. وقال تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا) الآية، فبان أنه أوحى إليهم كلهم أن أقيموا الدين، وهو معنى قوله تعالى: (سواء بيننا وبينكم) الآية. (تكميل) ذكر السهيلى أنه بلغه أن هرقل وضع الكتاب فى قصبة من ذهب تعظيما له، وأنهم لم يزالوا يتوارثونه حتى كان عند ملك الفرنج الذى تغلب على طليطلة، ثم كان عند سبطه، فحدثنى بعض أصحابنا أن عبد الملك بن سعد أحد قواد المسلمين اجتمع بذلك الملك فأخرج له الكتاب، فلما رآه استعبر وسأل أن يمكنه من تقبيله، فامتنع. قلت: وأنبأنى غير واحد عن القاضى نور الدين بن الصائغ الدمشقى قال: حدثنى سيف الدين فليح المنصورى قال: أرسلنى الملك المنصور قلاوون إلى ملك الغرب بهدية، فأرسلنى ملك الغرب إلى ملك الفرنج فى شفاعة فقبلها، وعرض على الإقامة عنده فامتنعت، فقال لى: لأتحفنك بتحفة سنية، فأخرج لى صندوقا مصفحا بذهب، فأخرج منه مقلمة ذهب، فأخرج منها كتابا قد زالت أكثر حروفه وقد التصقت عليه خرقة حرير فقال: هذا كتاب نبيكم إلى جدى قيصر، ما زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤنا أنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزال الملك فينا، فنحن نحفظه غاية الحفظ ونعظمه ونكتمه عن النصارى ليدوم الملك فينا. انتهى. ويؤيد هذا ما وقع فى حديث سعيد بن أبى راشد الذى أشرت إليه آنفا أن النبى -صلى الله عليه وسلم -عرض على التنوخى رسول هرقل الإسلام فامتنع، فقال له: يا أخا تنوخ إنى كتبت إلى ملككم بصحيفة فأمسكها، فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام فى العيش خير. وكذلك أخرج أبو عبيد فى كتاب الأموال من مرسل عمير بن إسحاق قال: كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -إلى كسرى وقيصر، فأما كسرى فلما قرأ الكتاب مزقه، وأما قيصر فلما قرأ الكتاب طواه ثم رفعه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أما هؤلاء فيمزقون، وأما هؤلاء فستكون لهم بقية، ويؤيده ما روى أن النبى -صلى الله عليه وسلم -لما جاءه جواب كسرى قال: مزق الله ملكه. ولما جاءه جواب هرقل قال: ثبت الله ملكه. والله أعلم. قوله: (رواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزهرى) قال الكرمانى يحتمل ذلك وجهين: أن يروى البخارى عن الثلاثة بالإسناد المذكور كأنه قال: أخبرنا أبو اليمان أخبرنا هؤلاء الثلاثة عن الزهرى، وأن يروى عنهم بطريق آخر. كما أن الزهرى يحتمل أيضا فى رواية الثلاثة أن يروى لهم عن عبيد الله عن ابن عباس، وأن يروى لهم عن غيره. هذا ما يحتمل اللفظ، وإن كان الظاهر الاتحاد. (1/45) قلت: هذا الظاهر كاف لمن شم أدنى رائحة من علم الإسناد. والاحتمالات العقلية المجردة لا مدخل لها فى هذا الفن، وأما الاحتمال الأول فأشد بعدا لأن أبا اليمان لم يلحق صالح بن كيسان ولا سمع من يونس، وهذا أمر يتعلق بالنقل المحض فلا يلتفت إلى ما عداه، ولو كان من أهل النقل لاطلع على كيفية رواية الثلاثة لهذا الحديث بخصوصه فاستراح من هذا التردد، وقد أوضحت ذلك فى كتابى تعليق التعليق وأشير هنا إليه إشارة مفهمة: فرواية صالح وهو ابن كيسان أخرجها المؤلف فى كتاب الجهاد بتمامها، من طريق إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، وفيها من الفوائد الزوائد ما أشرت إليه فى أثناء الكلام على هذا الحديث من قبل، ولكنه انتهى حديثه عند قول أبى سفيان:"حتى أدخل الله على الإسلام"زاد هنا:"وأنا كاره " ولم يذكر قصة ابن الناطور. وكذا أخرجه مسلم بدونها من حديث إبراهيم المذكور، ورواية يونس أيضا عن الزهرى بهذا الإسناد أخرجها المؤلف فى الجهاد مختصرة من طريق الليث، وفى الاستئذان مختصرة أيضا من طريق ابن المبارك كلاهما عن يونس عن الزهرى بسنده بعينه، ولم يسقه بتمامه، وقد ساقه بتمامه الطبرانى من طريق عبد الله بن صالح عن الليث، وذكر فيه قصة ابن الناطور، ورواية معمر عن الزهرى كذلك ساقها المؤلف بتمامها فى التفسير، وقد أشرنا إلى بعض فوائد زائدة فيما مضى أيضا، وذكر فيه من قصة ابن الناطور قطعة مختصرة عن الزهرى مرسلة. فقد ظهر لك أن أبا اليمان ما روى هذا الحديث عن واحد من الثلاثة، وأن الزهرى إنما رواه لأصحابه بسند واحد عن شيخ واحد وهو عبيد الله بن عبد الله، وأن أحاديث الثلاثة عند المصنف عن غير أبى اليمان، ولو احتمل أن يرويه لهم أو لبعضهم عن شيخ آخر لكان ذلك اختلافا قد يفضى إلى الاضطراب الموجب للضعف، فلاح فساد ذلك الاحتمال، والله سبحانه وتعالى الموفق والهادى إلى الصواب لا إله إلا هو